المبشر بن فاتك

293

مختار الحكم ومحاسن الكلم

رأسه ، وأجلسه مجلس الملك . ودخل عليه القوّاد والجنود فسلموا عليه بسلام الملك ثم دعا أرسطوطاليس « 1 » وسأله أن يعهد إلى ابنه عهدا بحضرته يكون داعيا له إلى مصلحته وعزاء للملك عن فراق الدنيا ؛ فأجابه إلى ذلك وكتب له العهد الذي أوّله : « ليس الآمر بالخير بأسعد من المطيع له ، ولا المعلم « 2 » بأسعد من المتعلم . . . « 3 » » وهو عهد موجود في أيدي الناس . واشتدت « 4 » علّته ، ثم قضى نحبه . فقام الإسكندر ذو القرنين في الناس فقال : « أيها الناس ! إن ملككم قد مات ، وليس لي عليكم ولاية ولا إمرة إنما أنا رجل منكم ، أرضى ما رضيتم ، وأدخل فيما دخلتم ؛ لا أخالفكم في شى من أموركم . فاستمعوا قولي ومشورتى ، وأنزلوني بمنزلة الناصح لكم ، الشفيق عليكم ، المكلف بأموركم . فقد عرفتم ذلك منّى في حياة والدي ؛ وإني آمركم بتقوى اللّه والتمسك بالطاعة ولزوم الجماعة . فملكوا عليكم أطوعكم لربه ، وأرفقكم بالعامة ، وأعناكم « 5 » بأموركم ، وأرحمكم لمساكينكم ، ومن يقسم بينكم فيأكم ويبذل نفسه في صلاحكم ، ولا تشغله الشهوات عنكم ، وتأمنون شرّه ، وترجون خيره ، ويباشر قتال عدوكم . . . « 3 » » وهي خطبة طويلة . فلما سمعوا قوله وتعجبوا منه ومن رأيه ونظره فيما لم ينظر فيه الملوك قبله . فقالوا له : « قد سمعنا قولك ، وقبلنا مشورتك ونصحك لعامتنا ، وقلّدناك أمورنا . فعش الدهر ملكا علينا مسلّطا ، لا نرى أحدا من أهل الدنيا أحقّ بالملك منك « 6 » » . ثم قاموا إليه فبايعوه ووضعوا التاج على رأسه ، ودعوا له بالبركة .

--> ( 1 ) ن : أرسطاطاليس . ( 2 ) ح : ولا المتعلم بأسعد من المعلم له . ( 3 ) هذه النقط وضعناها علامة ترقيم . ( 4 ) ح : واشتدت علة فيلبس . ( 5 ) ن : وأغناكم ( بالغين المعجمة ) . ( 6 ) ح : منه .